الجمعة، 22 فبراير 2013

في رحاب المعشوق (قصة قصيرة)

الساعة: 12 منتصف الليل
جلست علي مقهي الحي في صمت, صمت لم يعهده الدهر علي, سكون مثل سكون راهب في خلوة و تأمل كتأمل الذاكرين, و صوت أم كلثوم أعطي لسكوني بعدا آخر, أكملتُ به أحجية صمتي, وأثناء صمتي سمعتها تشدو: 
"هبوا املأوا كأس المنى......قبل أن تملأ كأسَ العمر كفُ الَقَدر"

صعقتني الجملة, لأول مرة في حياتي أنتبه لحديث أم كلثوم ! و حينها بدأت مرحلة التفكر في رحلتي,  وسألت نفسي "هل يضيع عمري؟؟ كيف وأنا لم أستمتع بعد بحياتي؟!" شعرت حينها أني وصلت إلي منطقة تنتمي فكريا إلي الكفر, إستغفرت ربي بعد أن تذكرته, وعدت إلي سكوني غير عابء.

"القلبُ قد أضْناه عِشْق الجَمال" صفعتني السيدة علي وجهي صفعة اهتزت لها موازين الكون, شعرت بقلبي يسألني: "هل أعطيتني فرصة أن احب من يستحق حبي؟ هل أعطيتني فرصة أن أحب أصلا؟! "
حاولت الإجابة لكن لم أفلح و كأن لساني أصابه شلل أو كأني فقدت علمي بالحروف فظننت أن بي مرض أصابني بأعراض هلوسة حرجة, فقمت من المقهي بخطوات حسبتها سريعة, لكن كلما ابتعدت زاد صوتها في أذني  
"أولى بهذا القلبِ أن يَخْفِقا......وفي ضِرامِ الحُبِّ أنْ يُحرَقا.......ما أضْيَعَ اليومَ الذي مَرَّ بي...من غير أن أهْوى وأن أعْشَقا"
أخذت أسأل قلبي في لهفة طفل يلعب بدميته " كيف تخفق؟ و كيف تحب؟ ما الحب؟ ما العشق؟" مرت لحظات شعرت فيها بعجز تام, حاولت أن أهرول و شرعت في سب من أوصل هذا الصوت إلي أذني, لازلت أسمعها !!

" أفِقْ خَفيفَ الظِلِ هذا السَحَر.....نادى دَعِ النومَ وناغِ الوَتَر........فما أطالَ النومُ عُمرأ.....ولا قَصَرَ في الأعمارَ طولُ السَهَر"
شعرت بقلبي يناديني بصوت عميق و عذب
 "يا غافلا في اللهو في غسق الدجي.....تيقظ و الق منك سمعا و ناظر" 
لم أفهم المقصود, عقلي الضعيف لم يستوعب إلا أن نفسي شعرت بخطر قادم !! من أين يأتي هذا الصوت كلما أمشي أسمعه يملأ سماء الدنيا و يغطي ارضها !

"فقد تَساوى في الثَرى راحلٌ غداً.............................وماضٍ من أُلوفِ السِنين"
هنا أحسست بوجل شديد وتساءلت: "هل كان تسابقي علي الدنيا هباءا؟ هل تقاتلي علي مغانم الأرض بلا فائدة؟؟ "
لم تنتظر أن أسأل عن دواء لهذا الداء ورعدتني حينما قالت:

" أطفئ لَظى القلبِ بشَهْدِ الرِضاب....فإنما الأيام مِثل السَحاب....وعَيْشُنا طَيفُ خيالٍ فَنَلْ..........حَظَكَ منه قبل فَوتِ الشباب"

تعطل جهازي العقلي تماما وتولي قلبي زمام الأمور, سار بي قلبي الي مالانهاية, لم أشكو من وجع, فلست أنا من أتحكم, ولا تلك قدمي التي تسير, ولا تلك عيني التي تبكي الآن !! أنا هائم في أرض الله.


" لبست ثوب العيش لم اُسْتَشَرْ........وحِرتُ فيه بين شتى الفِكر........وسوف انضو الثوب عني ولم....أُدْرِكْ لماذا جِئْتُ أين المفر""يا من يِحارُ الفَهمُ في قُدرَتِك....وتطلبُ النفسُ حِمى طاعتك........أسْكَرَني الإثم ولكنني.......صَحَوْتُ بالآمال في رَحمَتِك"إن لم أَكُنْ أَخلصتُ في طاعتِك.........فإنني أطمَعُ في رَحْمَتِك.......وإنما يَشْفعُ لي أنني......قد عِشْتُ لا أُشرِكُ في وَحْدَتِك"تُخفي عن الناس سنا طَلعتِك.......وكل ما في الكونِ من صَنْعَتِك.........فأنت مَجْلاهُ وأنت الذي.....ترى بَديعَ الصُنْعِ في آيَتِك"إن تُفْصَلُ القَطرةُ من بَحْرِها........ففي مَداهُ مُنْتَهى أَمرِها........تَقارَبَتْ يا رَبُ ما بيننا........مَسافةُ البُعْدِ على قَدرِها"

تلك المرة لم يكن صوتها, قد كان صوتي الذي ينشد, لا لم يكن صوتي, فصوتي غليظ قاس وهذا الصوت عذب و رقيق أمتلأ بالشجن و الألم, هذا الصوت مألوفا لدي, هذا صوت قلبي حين ناداني, ولكن كيف لقلبي أن ينشد قصيدة لم اسمعها قبلا ؟!!!!
أستمرت قدمي في حملي الي حيث لا أعرف حتي شعرت بقلبي يقلص من ضخ الدم في جسدي, وجدت مسجدا صغيرا تجمع فيه عشرات البسطاء و قد شرعوا في تلاوة تلك القصيدة: 

أمن تذكــــــر جيــــــرانٍ بذى ســــــلمٍ **** مزجت دمعا جَرَى من مقلةٍ بـــــدمِ

أَمْ هبَّــــت الريـــــحُ مِنْ تلقاءِ كاظمــةٍ **** وأَومض البرق في الظَّلْماءِ من إِضمِ

فما لعينيك إن قلت اكْفُفاهمتـــــــــــــــا****وما لقلبك إن قلت استفق يهـــــــــمِ

أيحسب الصب أن الحب منكتـــــــــــمٌ **** ما بين منسجم منه ومضطــــــــرمِ

لولا الهوى لم ترق دمعاً على طـــــللٍ ****ولا أرقت لذكر البانِ والعلــــــــــمِ

فكيف تنكر حباً بعد ما شـــــــــــــهدت ****به عليك عدول الدمع والســـــــــقمِ

وأثبت الوجد خطَّيْ عبرةٍ وضــــــــنى ****مثل البهار على خديك والعنــــــــمِ

نعم سرى طيف من أهوى فأرقنـــــــي****والحب يعترض اللذات بالألــــــــمِ

يا لائمي في الهوى العذري معـــــذرة ****مني إليك ولو أنصفت لم تلــــــــــمِ

عدتك حالي لا سري بمســــــــــــــتترٍ****عن الوشاة ولا دائي بمنحســـــــــمِ

محضتني النصح لكن لست أســـــمعهُ ****إن المحب عن العذال في صــــــممِ

إنى اتهمت نصيح الشيب في عـــــذلي****والشيب أبعد في نصح عن التهـــتـمِ

شرحت لي القصيدة كل ماحدث, شرحت لي القصيدة الحب و الجفاء و القلب النابض و أخيه الصدئ, فبكيت..بكيت كطفل غاب عن أهله أعواما افتقد فيها إلي الحنان و المحبة أو كعاشق جفا معشوقه كثيرا ثم عاد إليه نادما متذللا و ملقيا القياد لحكمه, خرجت من المسجد و قلبي يدق صفاءا و ينبض عشقا, سمعته يذكرني و يقول:

تأنس بذكر الله والليل عاكر *** فما خاب عبداً كان لله ذاكر

وكُن عاشقاً لله في الحب جهرة *** فإن الذي تهواه في القلب حاضر

وجافي منام العين تحظى بقربه *** فما ذاق طعم الهجر إلا المهاجر

واعلم بأن الله في كل ليلة *** ينادي أنا التواب هل من مبادر 

بكيت ولم يرضي لساني بالبكاء, فشرع هو الآخر بالمناجاة

"يا عالمَ الأسرار عِلمَ اليَقين....وكاشِفَ الضُرِّ عن البائسين
يا قابل الأعذار عُدْنا إلى............ظِلِّكَ فاقْبَلْ تَوبَةَ التائبين"
بمجرد انتهائي من تلك المناجاة شعرت بعقلي يعود إلي العمل و نفسي بدأت في التفاعل مرة أخري, قلبي بدفعني دفعا إلي المسجد مرة أخري, حاولت جاهدا لكن لم أستطع, أشعر بحركتي لكن الأرض تحتي لا تتحرك, نظرت في مرآة لم أعلم مصدرها و كأنها تنزلت من السماء, مرآة أظهرتني قعيدا, فاقدا للقدرة, جالسا علي كرسي متحرك, فقدت الحس بأطرافي لكني شفيت من صدأ قلبي, و أعدت الحياة إلي روحي.








هناك تعليق واحد:

  1. مشاعر جميلة وموهبة واضحه ياابراهيم ربنا يبارك فيك وتستثمر هذه الموهبه الرائعه في الخير دائما

    ردحذف