الخميس، 28 فبراير 2013

الأزمة

الفنان/ علي جلال 

"الإسلام هو الحل" "التيار الإسلامي" "الإسلاميين" "الإخوان المسلمين" "شرع الله" "تكبيييييير" "عالقدس رايحيين" "قادم قادم ياإسلام" "الجهاد" "قالت الصناديق للدين....نعععممم"


كل هذه المقولات و الهتافات اشتهر بها التيار اليميني المتشدد الذي اتخذ من الإسلام غطاءا كاملا له, وكان هذا مكمن الأزمة الحالية, فأن تتخذ من الدين سترا لتقنع الناس بقدرتك ثم تنقلب علي أهم مبادئه فأنت تصنع كره الناس لك, و كم من شخص انتسب إلي هذا التيار و فُضح بين الناس جمعا.

أزمتي اليوم ليست مع أشخاص, لا أختلف مع اليمنيين المتشددين بشكل شخصي, علي العكس فأنا أعتز بكثير من الأصدقاء والأقارب الذين ينتمون إالي هذا التيار. حتي أن أزمتي ليست مع أفكارهم, بل مع وسائلهم و طرقهم. فكما ذكرت سلفا, غطاءهم السياسي اكتسي بصبغة الإسلام النقية, في حين أن هذا التيار كلاعب أساسي في مضمار السياسة قد يدنس الإسلام لاستخدامه فرائض السياسة. فكما هو معروف السياسة تفسد الدين و الدين يفسد السياسة, فالسياسة علم الكذب, و الكذب من كبائر الذنوب, فالشرع يحرم الكذب حتي لو كان له عائد إيجابي.
 فليس لدي مشكلة أن يمتلك الإخوان ميليشيات, رغم أنه عمل غير قانوني ومعارض لدستورهم, إلا أن مكمن الأزمة هو أن ينفي الإخوان ذلك و يكذبوا علي الناس ويثبت كذبهم بالمستندات ورغم ذلك يكملوا كذبهم.
وقد ذكرتُ أن الدين يفسد السياسة و السياسة تفسد الدين, وظهر ذلك جليا في تصرفات التيار اليميني, فهذا التيار قد أصر منذ نشأته أن يرفع راية "الأخلاق الإسلامية" إلا أن معاملاته و اساليبه أساءت للإسلام أكثر مما أحسنت إليه, ولا ألوم عليهم لعملهم السياسي, لكن ألوم عليهم بل أكره فيهم تمسكهم بشعار "الإسلام هو الحل", هذا الشعار الذي ضربوا به عرض الحائط في كثير من المواقف آخرها سعيهم خلف قرض صندوق النقد الدولي الذي تم رفضه في اوائل 2012 بحجة أنه ربوي ويخالف أحكام الشريعة. و في نفس العام تراجع مكتب الإرشاد عن قراره بعدم ترشيح أحد ابناء الجماعة, إلا أن ظروف السياسة و قراءة الإخوان للمشهد أجبرتهم علي النكوث بعهدهم و ترشيح الشاطر ومرسي خصوصا بعد وضوح نية المجلس العسكري في الإطاحة بالبرلمان. دينيا هذا القرار خاطئ إذ أن من آيات المنافق أنه إذا وعد أخلف طبقا لحديث الرسول (ص), لكن سياسيا هذا القرار يدل عن حرص الإخوان علي مصالحهم و خبرتهم الكبيرة بالسياسة.
ثم نجح مرسي بعد معاناة مرهقة و خرج علينا هو وجماعته بوعود إصلاحية ضخمة, ولم يكتفي بهذا الكم الكبير من التعهدات بل وضع لها سقف زمنيا وحدده بمائة يوم, ثم طفا كذبه علي السطح و ظهر فسادهم -الإخوان أقصد- السياسي و الاعيبهم التي تنتمي إلي مستنقعات السياسة وتتنافي مع نقاء الدين, ولازال الكذب مستمرا ولازالت الإنتهازية تنهش في أخلاق -معظم- هذا التيار, الذي يحاول أن يلتصق دائما بصفة الإسلام حتي يتسني له الحفاظ علي مكتسباته.
أخيرا, أكاد أجزم بأن نصف الغضب الساكن بالشارع المصري الآن سببه غباء في استخدام الكذب, و تضاعف الغضب حين تعرف المواطن علي حقيقة سياسة التيار اليميني, فالأفعال تمحو الأقوال, ولولا أن عقيدة المصريين راسخة في نفوسهم, لكفر المصريون حين فُضح من ادعي تمثيل الدين. الكارثة الأكبر أنه لازال يدعي ذلك بل ويتمادي في تمثيله لدور العابد الزاهد الذي لا يبتغي غير وجه الله, حتي وصل الأمر إلي تشبيه بعض رموز هذا التيار بالصحابة و التابعين بل وصلوا إلي تشبيههم بالأنبياء!!!!  إلا أني لا اري حكمة من هذا سوي أن الله يريد أن يسوي بين المصريين ويكشف جميع السياسيين للشعب بلا قناع ديني أو عسكري ويضئ بصيرة هذا الشعب الطيب و أن يدحض ادعاءات المتحدثين باسم دينه الحنيف.

و مسك الختام مع قول ابن سينا " بُلينا بقوم يظنوا أن الله لم يهدي سواهم" وإن دلت هذه الجملة علي شئ فهي تدل علي أن آفة أمتنا الإسلامية لم تتغير منذ أكثر من ألف عام.ربي اهدنا الصراط المستقيم.


الجمعة، 22 فبراير 2013

في رحاب المعشوق (قصة قصيرة)

الساعة: 12 منتصف الليل
جلست علي مقهي الحي في صمت, صمت لم يعهده الدهر علي, سكون مثل سكون راهب في خلوة و تأمل كتأمل الذاكرين, و صوت أم كلثوم أعطي لسكوني بعدا آخر, أكملتُ به أحجية صمتي, وأثناء صمتي سمعتها تشدو: 
"هبوا املأوا كأس المنى......قبل أن تملأ كأسَ العمر كفُ الَقَدر"

صعقتني الجملة, لأول مرة في حياتي أنتبه لحديث أم كلثوم ! و حينها بدأت مرحلة التفكر في رحلتي,  وسألت نفسي "هل يضيع عمري؟؟ كيف وأنا لم أستمتع بعد بحياتي؟!" شعرت حينها أني وصلت إلي منطقة تنتمي فكريا إلي الكفر, إستغفرت ربي بعد أن تذكرته, وعدت إلي سكوني غير عابء.

"القلبُ قد أضْناه عِشْق الجَمال" صفعتني السيدة علي وجهي صفعة اهتزت لها موازين الكون, شعرت بقلبي يسألني: "هل أعطيتني فرصة أن احب من يستحق حبي؟ هل أعطيتني فرصة أن أحب أصلا؟! "
حاولت الإجابة لكن لم أفلح و كأن لساني أصابه شلل أو كأني فقدت علمي بالحروف فظننت أن بي مرض أصابني بأعراض هلوسة حرجة, فقمت من المقهي بخطوات حسبتها سريعة, لكن كلما ابتعدت زاد صوتها في أذني  
"أولى بهذا القلبِ أن يَخْفِقا......وفي ضِرامِ الحُبِّ أنْ يُحرَقا.......ما أضْيَعَ اليومَ الذي مَرَّ بي...من غير أن أهْوى وأن أعْشَقا"
أخذت أسأل قلبي في لهفة طفل يلعب بدميته " كيف تخفق؟ و كيف تحب؟ ما الحب؟ ما العشق؟" مرت لحظات شعرت فيها بعجز تام, حاولت أن أهرول و شرعت في سب من أوصل هذا الصوت إلي أذني, لازلت أسمعها !!

" أفِقْ خَفيفَ الظِلِ هذا السَحَر.....نادى دَعِ النومَ وناغِ الوَتَر........فما أطالَ النومُ عُمرأ.....ولا قَصَرَ في الأعمارَ طولُ السَهَر"
شعرت بقلبي يناديني بصوت عميق و عذب
 "يا غافلا في اللهو في غسق الدجي.....تيقظ و الق منك سمعا و ناظر" 
لم أفهم المقصود, عقلي الضعيف لم يستوعب إلا أن نفسي شعرت بخطر قادم !! من أين يأتي هذا الصوت كلما أمشي أسمعه يملأ سماء الدنيا و يغطي ارضها !

"فقد تَساوى في الثَرى راحلٌ غداً.............................وماضٍ من أُلوفِ السِنين"
هنا أحسست بوجل شديد وتساءلت: "هل كان تسابقي علي الدنيا هباءا؟ هل تقاتلي علي مغانم الأرض بلا فائدة؟؟ "
لم تنتظر أن أسأل عن دواء لهذا الداء ورعدتني حينما قالت:

" أطفئ لَظى القلبِ بشَهْدِ الرِضاب....فإنما الأيام مِثل السَحاب....وعَيْشُنا طَيفُ خيالٍ فَنَلْ..........حَظَكَ منه قبل فَوتِ الشباب"

تعطل جهازي العقلي تماما وتولي قلبي زمام الأمور, سار بي قلبي الي مالانهاية, لم أشكو من وجع, فلست أنا من أتحكم, ولا تلك قدمي التي تسير, ولا تلك عيني التي تبكي الآن !! أنا هائم في أرض الله.


" لبست ثوب العيش لم اُسْتَشَرْ........وحِرتُ فيه بين شتى الفِكر........وسوف انضو الثوب عني ولم....أُدْرِكْ لماذا جِئْتُ أين المفر""يا من يِحارُ الفَهمُ في قُدرَتِك....وتطلبُ النفسُ حِمى طاعتك........أسْكَرَني الإثم ولكنني.......صَحَوْتُ بالآمال في رَحمَتِك"إن لم أَكُنْ أَخلصتُ في طاعتِك.........فإنني أطمَعُ في رَحْمَتِك.......وإنما يَشْفعُ لي أنني......قد عِشْتُ لا أُشرِكُ في وَحْدَتِك"تُخفي عن الناس سنا طَلعتِك.......وكل ما في الكونِ من صَنْعَتِك.........فأنت مَجْلاهُ وأنت الذي.....ترى بَديعَ الصُنْعِ في آيَتِك"إن تُفْصَلُ القَطرةُ من بَحْرِها........ففي مَداهُ مُنْتَهى أَمرِها........تَقارَبَتْ يا رَبُ ما بيننا........مَسافةُ البُعْدِ على قَدرِها"

تلك المرة لم يكن صوتها, قد كان صوتي الذي ينشد, لا لم يكن صوتي, فصوتي غليظ قاس وهذا الصوت عذب و رقيق أمتلأ بالشجن و الألم, هذا الصوت مألوفا لدي, هذا صوت قلبي حين ناداني, ولكن كيف لقلبي أن ينشد قصيدة لم اسمعها قبلا ؟!!!!
أستمرت قدمي في حملي الي حيث لا أعرف حتي شعرت بقلبي يقلص من ضخ الدم في جسدي, وجدت مسجدا صغيرا تجمع فيه عشرات البسطاء و قد شرعوا في تلاوة تلك القصيدة: 

أمن تذكــــــر جيــــــرانٍ بذى ســــــلمٍ **** مزجت دمعا جَرَى من مقلةٍ بـــــدمِ

أَمْ هبَّــــت الريـــــحُ مِنْ تلقاءِ كاظمــةٍ **** وأَومض البرق في الظَّلْماءِ من إِضمِ

فما لعينيك إن قلت اكْفُفاهمتـــــــــــــــا****وما لقلبك إن قلت استفق يهـــــــــمِ

أيحسب الصب أن الحب منكتـــــــــــمٌ **** ما بين منسجم منه ومضطــــــــرمِ

لولا الهوى لم ترق دمعاً على طـــــللٍ ****ولا أرقت لذكر البانِ والعلــــــــــمِ

فكيف تنكر حباً بعد ما شـــــــــــــهدت ****به عليك عدول الدمع والســـــــــقمِ

وأثبت الوجد خطَّيْ عبرةٍ وضــــــــنى ****مثل البهار على خديك والعنــــــــمِ

نعم سرى طيف من أهوى فأرقنـــــــي****والحب يعترض اللذات بالألــــــــمِ

يا لائمي في الهوى العذري معـــــذرة ****مني إليك ولو أنصفت لم تلــــــــــمِ

عدتك حالي لا سري بمســــــــــــــتترٍ****عن الوشاة ولا دائي بمنحســـــــــمِ

محضتني النصح لكن لست أســـــمعهُ ****إن المحب عن العذال في صــــــممِ

إنى اتهمت نصيح الشيب في عـــــذلي****والشيب أبعد في نصح عن التهـــتـمِ

شرحت لي القصيدة كل ماحدث, شرحت لي القصيدة الحب و الجفاء و القلب النابض و أخيه الصدئ, فبكيت..بكيت كطفل غاب عن أهله أعواما افتقد فيها إلي الحنان و المحبة أو كعاشق جفا معشوقه كثيرا ثم عاد إليه نادما متذللا و ملقيا القياد لحكمه, خرجت من المسجد و قلبي يدق صفاءا و ينبض عشقا, سمعته يذكرني و يقول:

تأنس بذكر الله والليل عاكر *** فما خاب عبداً كان لله ذاكر

وكُن عاشقاً لله في الحب جهرة *** فإن الذي تهواه في القلب حاضر

وجافي منام العين تحظى بقربه *** فما ذاق طعم الهجر إلا المهاجر

واعلم بأن الله في كل ليلة *** ينادي أنا التواب هل من مبادر 

بكيت ولم يرضي لساني بالبكاء, فشرع هو الآخر بالمناجاة

"يا عالمَ الأسرار عِلمَ اليَقين....وكاشِفَ الضُرِّ عن البائسين
يا قابل الأعذار عُدْنا إلى............ظِلِّكَ فاقْبَلْ تَوبَةَ التائبين"
بمجرد انتهائي من تلك المناجاة شعرت بعقلي يعود إلي العمل و نفسي بدأت في التفاعل مرة أخري, قلبي بدفعني دفعا إلي المسجد مرة أخري, حاولت جاهدا لكن لم أستطع, أشعر بحركتي لكن الأرض تحتي لا تتحرك, نظرت في مرآة لم أعلم مصدرها و كأنها تنزلت من السماء, مرآة أظهرتني قعيدا, فاقدا للقدرة, جالسا علي كرسي متحرك, فقدت الحس بأطرافي لكني شفيت من صدأ قلبي, و أعدت الحياة إلي روحي.








الأربعاء، 13 فبراير 2013

ذكري الحبايب مشجية

المجد للشهداء

تذكروا عباد الله في الأرض, تذكروا فقراء الشعب,تذكروا مرضي المجتمع, تذكروا من قتلوا من أجلكم.

تذكروا دماء الشهداء الزكية التي أنعمت عليكم و علينا, تفكروا و تفكروا في أهدافهم و أمنياتهم, تذكروا حقهم عليكم, وما قدموه كي تعيشوا عيشة هنية, وتموتوا بكرامة بلا إهانة, تذكروهم و تأملوا في وجوههم البشوشة الطيبة, تلك التي تنبعث منها الأصالة انبعاثا, ويتشقق النور من وجوههم حتي أًصبحوا أقمارا يضيئوا ظلمة الليل البهيم المهيمن علي روؤسنا كما يقف الغراب فوق جثة متعفنة يلتهمها إلتهاما. أما آن لكم أن تخشعوا أمامهم و تنتفضوا لحقهم, و تأخذوا بثأرهم, أم أنكم ستقعدون كما يقعد العاجز الكسيح بل أشد عجزا, اذ أنكم تملكون القدرة و ترفضون, هل أنتم مستعدين لمقابلة ربكم؟ هل تفكرتم كيف ستجري ألسنتك حين تُسئلون عن الشهداء؟ ماذا تتوقعون يوم تبيض وجوه و تسود وجوه؟ دماء الشهداء تخنق أعناقكم, و يزداد الخناق عليكم كلما تكاسلتم عن استرداد الحقوق المسلوبة. لا تلوموا إلا أنفسكم حين يحين الحين و تسقط الحجج وتسيح الجباه خجلا, ستسئلون عن خالد وسيد بلال وعن مصطفي الصاوي و عن شهداء ماسبيرو وعن شهداء محمد محمود و مجلس الوزراء و بورسعيد و العباسية و الإتحادية, ستسئلون عن أنس و الشيخ عماد و عن علاء عبد الهادي و عن جيكا و عن الجندي وعن كل الشهداء المشهور منهم و المغمور, 

كقاكم عارا أن توصموا بنكران الجميل, هذا العار سيلاحقكم, أضمن لكم هذا العار طالما التزمتم بمبادئ الأنانية و الإنتهازية الدنية التي أحاطت بهذا الوطن العتيق, لذا فأنتم لا تمثلون لي سوي أصفارا كثيرة تتواجد في يسار الرقم المصري, أنتم لستم سوي أعداد, نفوس بلا روح, أبدان بلا قلب, تشربون قسوة و تتجرعون جشعا و تأكلون جهلا. إن ما يحزنني هو فقدان الأحرار حين استشهدوا رغبة في حرية لم تتذوقوها قط, و قد أوشكت أن أؤمن بالمقولة التي تقول "مات من لا يستحق الموت ليحيا من لا يستحق الحياة" فقد أصبح مشتهي الحرية غرباء في هذا الوطن التائه......فطوبي للغرباء !!!