"دخلنا الحان و الكاسات تُجلي" ترنم بها منشد حين دخلت في رحاب الإمام الحسين رضي الله عنه. مسجد فسيح كبير تُشع جدرانه نورا و يفوح سجاده كافورا و تُشد إليه الرحال من أنحاء المحروسة. مئات الناس يقصدون المسجد لحاجات مشتبهات و غير متشابهات. فمنهم من يهيم بذكر حضرة و منهم من يقول مدد و نظرة و منهم من القرآن يبكي نهرا و منهم من العلم يرجو قطرة. وأحسب نفسي علي ذوي الحاجة الأخيرة.
أتردد علي المسجد الكبير بشكل شبه يومي, أذهب إلي العامود المقابل لضريح الإمام, إذ أجلس إلي عالم جليل يتألق و جهه بوقار العلم و نور الفهم و بشاشة الحلم. رجل في عقده السابع إلا أن علامات شيبته قد انكسرت أمام علامات تقواه التي اكتملت بعمامة حمراء تلحفت بشال أبيض توافق لونه مع ذقنه شديدة البياض.قابلته من عشر سنين. كان يوما مباركا شهد تحولا جذريا في مسار حياتي, فقد كنت في مقتبل العشرينات و كانت حياتي تتكدس باللعب و اللهو حتي هداني الله في هذا اليوم لأصلي في مسجدي الحسين رضي الله عنه وعقب التسليم مشيت مهرولا إلي الباب أتسائل متي ينعم الله علي بحسن السلوك. وفي أثناءغفلتي تعثرت في قدم شيخ ممدودة أسقطتني أرضا. عقدت العزم علي صفع الرجل إلا أن يده سبقت يدي و أمسك بكفي و أبتسم وأنشد:
| يا سائلاً عنّي كيف الوصول | إن كنت تُصدّقني فيما نقول |
| أدن وخُذ منّي بعض الأصول | يكُن سبب سعدِك جمعَك علي |
ذبت في كلماته وسالت أدمعي في ألحانه فجذبني بيده إلي عاموده أجلسني في مجلسه الذي صار مجلسنا إلي أمد بعيد.
دارت هذه الذكري في خلدي و تعجبت من ندرة بل إنعدام تلاميذ هذا الشيخ الفقيه العلَّامة. كيف لمثل هذا الشيخ بعلمه بأمور الدين و إلمامه بأطرافه أن لا ينتفع به أحد غيري. أسرعت الخطي إلي عاموده و قد كان يقرأ كتابا تيقنت أنه ليس قرآنا فقاطعته و صارحته بما جال في خاطري فما كان رده إلا أن قال "إلا الحماقة أعيت من يداويها" تعجبت من رده و ظننت أن كلامي لم يصل إلي مسامعه فأخبرته بخاطري مرة أخري فما أختلف رده عن سابقه فاعدت الكرة مرة ثالثة فأغلق كتابه قم نظر لي بإبتسامة حزينة, لم أدرك مغزاها إلا لاحقا, وقال لي أن أهتم بهذا الأمر ووعدني أني يجعل حلقته الأكبر في المسجد ثم أطرق هنيهة و عيونه قد اغرورقت بالدمع ثم عاد إلي كتابه و أخذ يردد "إلا الحماقة أعيت من يداويها" مرارا و تكرارا إلا أنني لم ألحظ هذه الإشارة من فرط سروري بوعده وحجب الله نور الحقيقة عني.
ذهبت إلي بيتي و أنا أتخيل كيف ستكون حلقة الشيخ الأسبوع المقبل وقد هجرت مضجعي تفكيرا في وعد الشيخ. و في اليوم الموعود ذهبت إلي المسجد ووجدته قد امتلأ عن آخره و ذهلت حين علمت أن هذه حلقة معلمي.
ارتسمت علي وجهي إبتسامة مضيئة و أنا أسمع معلمي يفيض بأنهار العلم إلي المئات الذين شعرت فيهم تنبها لم نعتد عليه في هذا الزمان و لكنني قلت في قرارة نفسي أن علم الشيخ كفيل أن يجذب هذا الانتباه و التركيز و أيقنت أن الناس قد أحبوا الشيخ لعلمه إلي أن وقعت الواقعة التي لم تخطر ببالي قط.
ففي أثناء حديث معلمي عن موضوع مهم جدا و هو المذاهب الكلامية و اختلاف الأشاعرة و المعتزلة و السلف فإذا بسفيه يقاطع الشيخ بأسلوب فج ويسأله رغيفا آخر من اللحم. لم افهم مقصد الرجل إلي أن رأيت معلمي يخرج قطعة من اللحم و يضعها في خبز و يقدمها للسائل. فأكله السفيه ثم سأل الشيخ بلغة فصيحة " مال لهذا اللحم لا يماثله لحم آخر, أطهيته بماء العلم؟ " فضحك الجمع علي هذه النكتة السقيم التي تدل علي هشاشة هذا الجمع الغفير. لم أدري بنفسي إلا قائما بين الجالسين صارخا في معلمي " كيف تسمح بهذه الوقاحة أن تمسك بزمام حلقتك؟ " نظر لي و قال "يا بني -وقد وقعت هذه الكلمة في نفسي موقعا عظيما- ألم تكن هذه غايتك أن ينتشر علمي؟ إن الرجل السائل عن اللحم يطلب علمي كذلك, فلم لا أفتيه كي ينتشر علمي؟ " حول الشيخ نظرته الحزينة إلي السائل عن اللحم و جاوبه إجابة تماثل إجابته لأشد أمور الدين تعقيدا و إبهاما. فإذا بي قد صعقت من هول ما رايته و سمعته, لم أرد أن أري معلمي ذو العلم النافع ينزل بمقامه هذه الدركات. فغادرته أضرب كفا بكف و أسبح مقلب الفلوب و الأبصار.
همت في الأرض أسابيع كثيرة أتحسر و اتأسف علي فقدان شيخي العزيز لمقامه الجليل و عزت علي العودة إليه كي انتشله مما هو فيه و أعيده إلي سابق عهده الرصين. أسرعت الخطي إلي المسجد الكبير و سألت عن الشيخ فعلمت أنه قد انتقل إلي سوق السمك المجاور للمسجد و أنه قد أصبح كبير التجار هناك. هرعت إليه فوجدته جالسا بين الناس فاخترقت صفوفهم ووصلت إلي معلمي و قاطعت حديث الشيخ لرجل كان يسأله عن كيفية تحضير نوع من أنواع السمك و كان يقول " ثم ضع السمكة في صحن علي النار و اشويه" ثم سكت هنيهة و نظر لي بإبتسامة عتاب ساخرة و قال " إلا الحماقة أعيت من يداويها"