السبت، 4 مايو 2013

الشعب المتضبط

ربنا أرسل الرسل كلهم إلي الشعوب إلا موسي أرسله الله إلي فرعون, ذلك لأن في مصر لو اللي فوق اتضبط اللي تحت هيتضبط.
رسم/ علي جلال


هذه هي العقلية المصرية المترسخة في وجدان الشعب منذ شروق شمس الحضارة الفرعونية, و للأسف الشديد فقد توارث أحفادهم هذا المنطق وهذا العقل بلا تعديل أو تغيير تتسبب فيه عوامل زمنية. بل حافظ المصريون علي عقلهم في مخزنه نظيفا جديدا وبالعامية "عالزيرو", إلا أن بعض المصريين قد انحرفوا عن المسار الطبيعي للشعب, و استطاعوا تحرير عقولهم من محابسها و شرعوا في التحليق بعيدا عن السرب, فتفتحت لهم زوايا مختلفة و جديدة ظهرت منها عورات الشعب المصري و نقاط ضعفه, و من هنا بدأت قصة إستعمار هذا الشعب.
دائما ما يحتاج المصريون إلي الأب الفاضل, الذي يشد أزر أبناءه و يقومهم علي الصراط المستقيم, يحتاجون دائما إلي الأب المربي, المُعتمد عليه, و العائل الوحيد لهم, فهم يشعرون معه بالأمان. يبحثون عن القائد الذي يحفظهم من الأعداء و يحميهم من الأخطار التي تتربص بهم من كل حدب وصوب. يلهث المصريون وراء الزعيم المُلهِم الملهَم, العارف بكل شئ و الحاكم بأمر الله, الزعيم الذي يُتوكل عليه للتصرف في أملاكهم و أموالهم بل وأعراضهم بلا حساب أو رقابة. و نتيجة لهذا البحث الدؤوب أفرز المجتمع بعض العباقرة الذين استطاعوا أن يقودوا هذا المجتمع كما يريد أهل المجتمع و كما يتمني أفراد الشعب, فأصبح الشعب ينصب إلها حاكما له, يعظمه و يمجده و يسبح بحمده.
لا تتعجب من إطلاق لفظ العبقري علي المستبد, لأن العبقرية هي التفرد عن الغير وهذا مايفعله المستبد, لا ينظر تحت قدمه كالبقية بل ينظر بعيد.فعبقرية المستبد لا تكمن في ذكائه اللحظي قدر ذكائه النظري و التحليلي, هذا الذكاء الذي يسمح للمستبد القدرة علي وضع الخط الفاصل بين تماديه في الطغيان و بين ثورة الشعب. ولذلك فالتاريخ دائما يقرن صفة الغباء بالمستبد المخلوع بأمر شعبه و يخلع خلعة الزعامة علي المستبد المخلوع بأمر ربه.
إلا أنه و في ذات الوقت الذي يبحث فيه المصريون عن حاكم بأمر الله, فإنهم يتألمون من بطشه و ظلمه. فالمصريون هم من أطلقوا المثل الدارج "قالوا فرعون يا ظالم إيه فرعنك...قال عبيدي" او في رواية أخري " قال مالقتش حد يلمني" إذا فالمصريون يعلمون الداء حق العلم و يعلمون الدواء أيضا, إلا أنهم لا يستطيعون تحمل مرارة الدواء.
أزمة هذا الشعب تكمن في الخمول, سواء كان فكريا أو بدنيا. ولا ينكر هذه الصفة إلا جاحد أو أعمي. كما أن معظم المصريين يتفاخرون بالكسل -ولا أنكر ذلك لأني منهم- ويرفضون أي فكرة تسبب لهم المشقة حتي وإن كانت في سبيل حريته. إلا أن هناك خط أحمر يدعي "لقمة العيش" -بمعناها الحرفي- إذا تجاوزها المستبد قضي الشعب عليه بدون نقاش. 

و علي هذا الأساس يعتبر الكثير من المفكرين أن التغيير من رأس الهرم أيسر و أسرع من تغيير القاعدة, إلا أنني أؤمن بالعكس أو بمعني أصح "أتمني" العكس فتغيير القاعدة قد يستنفذ وقتا ليس بقليل إلا أن مفعوله أقوي و أبقي لأن تغيير القاعدة المتشعبة يستحيل تغييرها من أقلية فاسدة.


 لذلك أرجو الله أن تبطل المقولة المذكورة في بادئ المقال و يغير الناس - وأنا من منهم- من سلوكياتهم الخاطئة و أن يصيحوا في عقولهم النائمة حتي تستيقظ من غفوتها و تطرق سبل الحرية طرقا كي تهزم شياطين الأرض و تنشر الحب و العدل بين الناس.