الأحد، 19 يوليو 2015

الكابوس

أنا شاب طموح حالم, يطلق العنان لأحلامه و خياله فيجريان به الي ما جريا به و ينتهيان به الي مالا نهاية له.
أغدو و أروح في الأرض فرحا و مرحا حتي أشعر أن الأرض لم تعد تسعني و أنه علي أن أطير و أحلق إلي آفاق بعيدة المنال و ماهي ببعيدة. هذا هو حالي عند كل حلم جديد أسعي إليه و كل تحدٍ جديد أصبو إلي كسبه. كان هذا هو حالي حين بدأت دراستي و حين بدأت كتاباتي و حين بدأت هواياتي, دائما ما كنت أسرع الخيول في بداية سباق حلمي و أعتي العتاة في أول معتركِ أملي حتي يأتي الكابوس المشئوم.
حتي عندما أحببت! و تملكني هذا الإحساس النبيل الذي علا علي أي إحساس شعرت به قبلا. عند ذا فهمت لما يموت العاشق صبابةَ, ويتغني المحبوب بحِبه علانيةَ. شعرت أني طائرٌ يطير بجناحيه و ما كدت ألمس السماء حتي أتاني كابوسي المعتاد. شيطان تمثل في ناموسة عملاقة صوتها كحفيف حيةٍ و لدغتها كلدغة عقرب, تَبُخ سمومها و تقتل أحلامي الوليدة. حتي الحب لم يسلم من شرورها و لم ينج من سمومها.
ناموسة تصول وتجول في غيابات عقلي, فتدمر أُسس أحلامي و جذور إحساسي و مواطن طموحي حتي تقضي علي حياتي و تُبقي لي حطام قلبي المقهور و عقلي المكسور. فما جدوي العيش إذن؟! أأعيش بقلبٍ انتُزعَ منه الحب انتزاعا؟ لا! بل الموت أيسر من أن أستسلم لتلك الناموسة التي تمتص مني القدرة علي أن أحِب وأُحَب. فبالحب خُلقنا و للحب وُجدنا فهل بدون الحب نفني؟! نكون قد هلكنا إذا فقدنا الحب و متنا. فحينها يُمحي اسمنا من الكون كأننا ما كنا.
سأقاوم و أقاتل بحُبي لحِبي تلك الناموسة الشيطانية الفانية. تلك الناموسة الحاقدة التي سُلبت الحب و القدرة عليه فلم يعد بمقدورها سوي أن تسلبه من المحبين. أصبحت تحصد ما لم تقوي علي زرعه فتحصد و تحرق حتي تُتلف وتُفسد. سأحارب و أنا أعلم أن الطريق طويل و شاق, سبيل صعب و محفوف بالمخاطر و مصير غائم يلوح في الأفق.
جلست في ركن غرفتي خائفا من المجهول, متأهبا لمعركة حامية الوطيس.و في تلك الثواني الطوال بدا لي في الظلام عينان صفراوتان و بدأت الناموسة تُظهر هيكلها الضخم علي استحياء فما كان بي الا أنني لذت بالصراخ. صرخات أطلقها قلبي و لم ينطقها فمي فوصلت إلي عنان السماء و بها انتهي كل شئٍ فجأة.

استيقظت مذهولا غير مدركٍ بما حدث, احتجت الي دقائق حتي استوعب أنني أفقت من كابوس مذهل. قلبي يخفق و صدري يعلو و يهبط بلا توقف, خوف و فزع يصحبهما شهيق و زفير متسارع متقطع لا يشبع حاجة صدري المتلهف للهواء. و في إحدي هذه الأنفاس المتسارعة ابتلعت شيئا ارتبته و كلفني كثيرا من السعال حتي يخرج في يدي. تأملت هذا الشئ تأملا دقيقا فضحكت, ضحكت لأنني ابتلعت نفس الناموسة.

الثلاثاء، 25 مارس 2014

أعيت من يداويها

"دخلنا الحان و الكاسات تُجلي" ترنم بها منشد حين دخلت في رحاب الإمام الحسين رضي الله عنه. مسجد فسيح كبير تُشع جدرانه نورا و يفوح سجاده كافورا و تُشد إليه الرحال من أنحاء المحروسة. مئات الناس يقصدون المسجد لحاجات مشتبهات و غير متشابهات. فمنهم من يهيم بذكر حضرة و منهم من يقول مدد و نظرة و منهم من القرآن يبكي نهرا و منهم من العلم يرجو قطرة. وأحسب نفسي علي ذوي الحاجة الأخيرة.

أتردد علي المسجد الكبير بشكل شبه يومي, أذهب إلي العامود المقابل لضريح الإمام, إذ أجلس إلي عالم جليل يتألق و جهه بوقار العلم و نور الفهم و بشاشة الحلم. رجل في عقده السابع إلا أن علامات شيبته قد انكسرت أمام علامات تقواه التي اكتملت بعمامة حمراء تلحفت بشال أبيض توافق لونه مع ذقنه شديدة البياض.قابلته من عشر سنين. كان يوما مباركا شهد تحولا جذريا في مسار حياتي, فقد كنت في مقتبل العشرينات و كانت حياتي تتكدس باللعب و اللهو حتي هداني الله في هذا اليوم لأصلي في مسجدي الحسين رضي الله عنه وعقب التسليم مشيت مهرولا إلي الباب أتسائل متي ينعم الله علي بحسن السلوك. وفي أثناءغفلتي تعثرت في قدم شيخ ممدودة أسقطتني أرضا. عقدت العزم علي صفع الرجل إلا أن يده سبقت يدي و أمسك بكفي و أبتسم وأنشد:

يا سائلاً عنّي كيف الوصول  إن كنت تُصدّقني فيما نقول
أدن وخُذ منّي بعض الأصوليكُن سبب سعدِك جمعَك علي
ذبت في كلماته وسالت أدمعي في ألحانه فجذبني بيده إلي عاموده أجلسني في مجلسه الذي صار مجلسنا إلي أمد بعيد.

دارت هذه الذكري في خلدي و تعجبت من ندرة بل إنعدام تلاميذ هذا الشيخ الفقيه العلَّامة. كيف لمثل هذا الشيخ بعلمه بأمور الدين و إلمامه بأطرافه أن لا ينتفع به أحد غيري. أسرعت الخطي إلي عاموده و قد كان يقرأ كتابا تيقنت أنه ليس قرآنا فقاطعته و صارحته بما جال في خاطري فما كان رده إلا أن قال "إلا الحماقة أعيت من يداويها" تعجبت من رده و ظننت أن كلامي لم يصل إلي مسامعه فأخبرته بخاطري مرة أخري فما أختلف رده عن سابقه فاعدت الكرة مرة ثالثة فأغلق كتابه قم نظر لي بإبتسامة حزينة, لم أدرك مغزاها إلا لاحقا, وقال لي أن أهتم بهذا الأمر ووعدني أني يجعل حلقته الأكبر في المسجد ثم أطرق هنيهة و عيونه قد اغرورقت بالدمع ثم عاد إلي كتابه و أخذ يردد "إلا الحماقة أعيت من يداويها" مرارا و تكرارا إلا أنني لم ألحظ هذه الإشارة من فرط سروري بوعده وحجب الله نور الحقيقة عني.

ذهبت إلي بيتي و أنا أتخيل كيف ستكون حلقة الشيخ الأسبوع المقبل وقد هجرت مضجعي تفكيرا في وعد الشيخ. و في اليوم الموعود ذهبت إلي المسجد ووجدته قد امتلأ عن آخره و ذهلت حين علمت أن هذه حلقة معلمي.

ارتسمت علي وجهي إبتسامة مضيئة و أنا أسمع معلمي يفيض بأنهار العلم إلي المئات الذين شعرت فيهم تنبها لم نعتد عليه في هذا الزمان و لكنني قلت في قرارة نفسي أن علم الشيخ كفيل أن يجذب هذا الانتباه و التركيز  و أيقنت أن الناس قد أحبوا الشيخ لعلمه إلي أن وقعت الواقعة التي لم تخطر ببالي قط.

ففي أثناء حديث معلمي عن موضوع مهم جدا و هو المذاهب الكلامية و اختلاف الأشاعرة و المعتزلة و السلف فإذا بسفيه يقاطع الشيخ بأسلوب فج ويسأله رغيفا آخر من اللحم. لم افهم مقصد الرجل إلي أن رأيت معلمي يخرج قطعة من اللحم و يضعها في خبز و يقدمها للسائل. فأكله السفيه ثم سأل الشيخ بلغة فصيحة " مال لهذا اللحم لا يماثله لحم آخر, أطهيته بماء العلم؟ " فضحك الجمع علي هذه النكتة السقيم التي تدل علي هشاشة هذا الجمع الغفير. لم أدري بنفسي إلا قائما بين الجالسين صارخا في معلمي " كيف تسمح بهذه الوقاحة أن تمسك بزمام حلقتك؟ " نظر لي و قال "يا بني -وقد وقعت هذه الكلمة في نفسي موقعا عظيما- ألم تكن هذه غايتك أن ينتشر علمي؟ إن الرجل السائل عن اللحم يطلب علمي كذلك, فلم لا أفتيه كي ينتشر علمي؟ " حول الشيخ نظرته الحزينة إلي السائل عن اللحم و جاوبه إجابة تماثل إجابته لأشد أمور الدين تعقيدا و إبهاما. فإذا بي قد صعقت من هول ما رايته و سمعته, لم أرد أن أري معلمي ذو العلم النافع ينزل بمقامه هذه الدركات. فغادرته أضرب كفا بكف و أسبح مقلب الفلوب و الأبصار.

همت في الأرض أسابيع كثيرة أتحسر و اتأسف علي فقدان شيخي العزيز لمقامه الجليل و عزت علي العودة إليه كي انتشله مما هو فيه و أعيده إلي سابق عهده الرصين. أسرعت الخطي إلي المسجد الكبير و سألت عن الشيخ فعلمت أنه قد انتقل إلي سوق السمك المجاور للمسجد و أنه قد أصبح كبير التجار هناك. هرعت إليه فوجدته جالسا بين الناس فاخترقت صفوفهم ووصلت إلي معلمي و قاطعت حديث الشيخ لرجل كان يسأله عن كيفية تحضير نوع من أنواع السمك و كان يقول " ثم ضع السمكة في صحن علي النار و اشويه" ثم سكت هنيهة و نظر لي بإبتسامة عتاب ساخرة و قال " إلا الحماقة أعيت من يداويها"

السبت، 25 يناير 2014

ذكريات ماضي أليم

"اليأس خيانة" عبارة رددها المتفائلون كي يجذبوا أخواتهم اليائسون إلي ساحة المعركة مرة أخري. عبارة عندما تسمعها تشعر بتأنيب ضميرك لوهلة إلا أنك سرعا ما تسترد رشدك و تتأمل في أسباب اليأس الذي تحول إلي خيانة في لمح البصر.

ظُلمنا حين وُضعنا جبرا في معترك لم نخلقه وغنائم لن نحصدها. معترك يُنصب في ساحة البلدة حيث تُباع التذاكر إلي أهلها كي يقتلوا وقتهم البخس في مشاهدة هذا السائل الأحمر الرخيص ينسكب كماء منهمر.

أبدا لم تكن معركتنا مع أشخاص أو انظمة بعينها بل كانت مع فكرة فرعونية المولد, عسكرية الطابع, نبتت في حصن منيع لم تصل إليه يد القدر بعد. فكما لكل قاعدة إستثناء, كنا نحن إستثناء هذه الفكرة. فقد خطفنا القدر و أنبتنا في حوض محبته ثم قذف بنا فجأة في هذا الحصن دون مقدمات. دُفعنا بالمجهول إلي المجهول بلا تدريبات أو تجهيزات. دخلنا في جو مختلف عن حوضنا إختلاف الليل و النهار. جو بائس راكد عفن ليس هو المناسب لطاقتنا. أكاد أجزم أننا جاهدنا كي نتأقلم علي هذا التغير الصادم إلا أننا فشلنا. فلم يكن هذا التغير من طبعنا, كما لم يكن الإنسحاب من فطرتنا.

خطونا نحو المستحيل ونحن نرفع جباهنا و نكشف سواعدنا. لم نستشعر خطورة ما نحن مقدمين عليه, لم نستوعب إبتسامة المستحيل الخبيثة التي زادت كلما عبرنا حاجزا من حواجزها الشاهقة. أعترف أننا قد خُدعنا, لم ندرك جيدا هوية المبارز و حجمه. أعترف اننا قد أخطأنا, لم نتجنب معارك جانبية, استنزفتنا أكثر مما استنزفت العدو, كان علينا تفاديها حتي نستعد لهرمجدون الصغري.

لم تكن أبدا معركتنا, لم يكن أبدا يومنا. لكننا أقسمنا أن نكمل ما بدأناه منذ أن أُردي قتيلا أو شهدائنا. هذا الموعد الذي علمت أنه سيورثنا ذكريات أليمة. هذه اللحظة التي ارتقت فيها روح الشهيد عبر طائر الحقيقة الكبير, شديد بياض الجناحين, جميل الصوت, يشد من بُذِرت في قلبه بذرة الحق في قلبه. هذا اللون الذي يرد الأعمي بصيرا و هذا اللحن الذي يرد الأصم سميعا.

تلك اللحظة التي سقط فيها جسد الشهيد و صعدت روحه إلي السماء, علمنا أن عودته باتت مستحيلة وأقسمنا علي أن نبطش و نهزم مستحيلهم لأجل الشهيد.. ولأجله فقط.

ملحوظة* لم أستطع كتابة مقال أطول لأني أري أن لا فائدة من الكلام إلا "وجع القلب" حتي أنني اخرجت هذه الكلمات بصعوبة بالغة.